تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٣٣ - بصيرة
بصيرة
اعلم إن للايمان مراتب متفاوته في الكمال و النقص، فربّ مؤمن يكون له من المعرفة باللّه و اليوم الآخر ما لا يمكن له إظهاره و كشفه للمؤمنين، كما لا يمكن للكافرين فهو يداري مع الطرفين و يعمل على التقيّة في الجانبين فيتكلّم مع كل منهما على قدر عقولهم، و هو مع اللّه لا يبرح ناظرا في عباده بعين الرضا. و هذا ضرب من النفاق لكنّه غير مذموم بل واجب كما دلّ عليه
قوله صلّى اللّه عليه و آله: كلّموا الناس على قدر عقولهم.
قال بعض العرفاء: اعلم إنّ الإنسان ذو وجهين: وجه إلى ذاته، و وجه إلى ربّه.
و مع أي وجه توجّه غاب عنه وجهه الآخر، و كلّ منهما غير وجه ربّك ذي الجلال و الإكرام، فكل من وجهيه هالك داثر إذا لم يستحكم علاقته مع وجه ربّه، فإذا انقلب إليه، فنى عنه وجهه فصار غريبا في الحضرة يستوحش فيها و يطلب وجهه الذي كان يأنس به فلا يجده فيبقى في عذاب و حسرة.
و أما إذا استحكمت علاقته مع الحق تعالى، فإذا توجّه إلى وجه ربه، أقبل عليه و لم يكن له مونس سواه و لا مشهود إلّا إيّاه، فصار الحق له وجها و سمعا و بصرا ففرح بلقائه و عاد الأنس الأعظم، و يتذكّر الأنس الماضي به، فيزيد أنسا إلى أنس و يرى عنده وجه ذاته و لا يفقده، لأنه أصله، فيجمع بين الوجهين في صورة واحدة، فيجد الأنس لاتّحاد الوجهين فيعظم السرور و الابتهاج. و هذه حالة جمعية برزخيّة لكونها جمعت بين الطرفين فمن جمع بينهما في الدنيا، حرم ذلك في الآخرة كالمنافق، فإنه يريد أن يكون برزخا جامعا بين المؤمن و الكافر، فإذا انقلب، تخلّص إلى أحد الطرفين و هو طرف الكفر، إذ لم يستحكم علاقته بالايمان، و لم يتخلص له، فلو تخلّص هنا إلى الايمان و لم يكن برزخا كان إذا انقلب، انقلب إلى اللّه كما ذكرناه من جمعه بين الطرفين، فاحذر هاهنا من صفة